السيد محمد الصدر
263
تاريخ الغيبة الصغرى
ويكون للحوادث المتغيرة المتطورة الأثر الكبير في تغيير وتطوير اتجاهات الفرد فضلا عن مواقفه . . وبذلك يكتسب الصغير خبرة والكبير حنكة والجاهل علما ، كما هو واضح جدا لكل فرد عاقل يعيش في هذه الحياة . وقد يزداد الأثر في هذا المقدار الاعتيادي ، فيما إذا كان الحادث أو مجموعة الحوادث ، ذات صيغة أساسية في حياة الفرد . ولكل فرد من الحوادث ما تكون أساسية في حياته . فقد تعمق الحوادث اتجاهه وترسخه وقد تضعفه وتضعضعه ، وقد تغير شكله وطريقه . وبتغير الاتجاه تتغير المواقف بالطبع . فيكاد يصبح الفرد فردا آخر ، أو تسبغ على سلوكه تغيرات كبرى أو صغرى تختلف باختلاف أهمية الحوادث . فقد يصبح الفرد المنحرف معتدلا والمعتدل واعيا ، بل قد يصبح الواعي منحرفا والمنحرف واعيا . وقد يصبح الجبان شجاعا والشجاع جبانا والبخيل كريما والكريم بخيلا والكذاب صادقا والصادق كذابا . . وهكذا وهكذا . هذا كله في الحوادث الفردية التي يصادفها الناس في الحياة . ومتى كانت الحوادث أوسع من الوجود الفردي وأكبر ، كان أثرها أعمق وأشمل على المجتمع كله ، فضلا عن الفرد ، كالاتجاه العام للحاكمين سياسيا أو المتنفذين اقتصاديا أو اجتماعيا أو غير ذلك . وكالغزو أو الاستعمار الذي تتعرض له البلاد ، أو التدهور الاقتصادي التي يمر بها أو تمر به . فإن كل ذلك يؤثر في الأفراد بل في الشعب كله آثارا بليغة ، قد يبلغ مدى تأثيره عمقا واسعا في الزمان والمكان . ومن هنا بالذات ، تنبثق فكرة التمحيص والامتحان ، فإننا بعد أن نعرف : إن لكل واقعة في الإسلام حكما معينا ، ونعرف : إن لكل فرد موقفا معينا تجاه كل حادثة . إذن فلا بد أن ينظر إلى مدى تطابق موقف الفرد مع حكم الإسلام . فإن كان منسجما معه ، فهو ناجح في التمحيص ، وإن كان مختلفا معه ، فهو فاشل وراسب لا محالة . والحوادث المتعاقبة ، قد تصقل من عقيدة الفرد الدينية ، وقد تضعضعها ، بشكل متوقع أو غير متوقع ، فإن لكل فرد اعتيادي نوازعه الخيرة ونوازعه الشريرة ، واتّجاهاته الخاصة . وقد تكون هذه الاتجاهات متميزة بسلوك اعتيادي معين ، فإذا طرأت حادثة معينة اضطر إلى الاستجابة لها باتّخاذ موقف من المواقف لا محالة .